اعتدنا مشاهدة المتاحف في عواصم دول العالم وأزقتها، تلك المتاحف التي حازت رصيداً مالياً حكومياً متميزاً لكن عندما نشاهد متحفاً على تلال إحدى القرى الجبلية وقد قام بإنشائه باحث لا يملك سوى دخله الشهري فهذا يستدعي الاهتمام والتقدير والتشجيع بل التكريم. ففي تلال قرية قسمين التابعة لمحافظة اللاذقية قام الباحث الجيولوجي السوري الدكتور فواز الأزكي وبجهوده الفردية بتحويل منزله إلى أول متحف جيولوجي في سورية مدوناً على بوابته عبارة: (إن لم أزد شيئاً إلى كون.. فأنا زيادة عليه) ولوحة أخرى كتب عليها باللغتين العربية والأجنبية (زيارة المتحف مجانية). للإطلاع على هذا المتحف وأهدافه ومحتوياته والمكاسب التي يحققها منه، وخاصة أنه مشروع وطني لا يحقق أية ريعية اقتصادية لصاحبه كان لـ«الوطن» لقاء مع الباحث الأزكي الذي أشار إلى أن المتحف عبارة عن صرح علمي ثقافي سياحي لبلدنا سورية وهو حريص على استمرارية وضعه تحت تصرف جميع الطلبة والباحثين والمهتمين بشكل مجاني حالياً ومستقبلاً معتبراً أن المكسب الكبير الذي حققه ويحققه من إقامة المتحف هو نقل الجيولوجيا من علم مجرد إلى ثقافة أتت ثمارها باهتمام المحيطين به من سكان القرية الذين سارعوا بعد إنشاء المتحف لجمع اللقى والممتلكات الموجودة بحوزتهم والتي كانت مهملة ومرمية في الأراضي كالرحى والجرار الفخارية وما شابه لإعادتها إلى منازلهم وعرضها في أركان المنزل بشكل بارز حتى إن طفلاً من أطفال القرية وجد صخرة كروية الشكل أتى بها إلى المتحف ظناً منه أنها تقدم شيئا جديداً للمتحف ومنذ وضع المتحف في الخدمة زاره نحو 8600 زائر، وفي شهر نيسان الماضي فقط زاره 1600 طالب مدرسي وجامعي وخلال فصل الصيف أيضاً زار المتحف معسكرات جيولوجية وطلابية ومعسكر رواد الفلك في سورية وملتقى الإبداع للشباب العربي بمشاركة 16 جامعة عربية من الجزائر، تونس، السودان، مصر، فلسطين، العراق، الأردن، اليمن، موريتانيا، المغرب، ليبيا إضافة إلى زيارة مدرسة نادي الرسم المجاني للفنان عصام حسن الذي أتى بطلابه إلى المتحف مرتين ليتعرفوا عليه وكل منهم أخذ يرسم إحدى المستحاثات بمتعة كبيرة. - وهذا الاهتمام الملحوظ يظهر أن المتحف حقق غايته كمشروع ثقافي وطني وليس مصدراً استثمارياً حتى إن الإقبال عليه جاء أكثر مما كان متوقعا بكثير وعن صعوبات العمل والطموحات المستقبلية أفاد بأن صعوبات العمل تجلت بعدم توفر وسيلة نقل خاصة ما استدعى تقديم مجهود مضاعف للبحث عن المستحاثات وغيرها من اللقى لكن في نفس الوقت عملي هو طوعي وإفرادي وبالتالي هذه مسؤوليتي وحدي لذلك لم أطلب المساعدة من أحد وما يهمني التشجيع الذي يكون من الأطفال وزوار المتحف، فكل زائر يعطيني دفعاً جديداً للمضي بالبحث والتطوير، أما الصعوبة الثانية فتتعلق بدراسة بعض العينات التي تتطلب أجهزة معينة غير متوافرة إلا في المؤسسة العامة للجيولوجية ما يستدعي السفر إلى دمشق للإفادة من أجهزة المؤسسة. أما عن طموحاتي المستقبلية فأقوم حاليا بتصميم بركان حقيقي لأضع في داخله عينات من جميع براكين سورية حسب أعماقها وهو قيد الإنجاز. كما أعمل حالياً على تصميم مرصد فلكي على سطح المتحف لرسم القبة الفلكية لسورية من على سطح المتحف كذلك متابعة الظاهر الفلكية من كسوف وخسوف ومذنبات وشهب وغيرها. جدير بالذكر أن المتحف يقسم إلى قسمين متحف في الهواء الطلق يشغل مساحة 1500 متر مربع يحوي عينات صخرية ضخمة لجميع الصخور المنتشرة في سورية على كل منها هويتها التي تحوي اسمها ومصدرها باللغتين العربية والأجنبية إضافة إلى بانوراما لمقطع جيولوجي من اللاذقية وكذلك خارطة جيولوجية لشمال غرب سورية يبين عليها موقع المتحف. أما الثاني وهو المتحف الداخلي فيقسم إلى سبعة أركان ركن المستحاثات، صمم بشكل أسطواني وضع على سطحه مجسم لنجم البحر رمز المستحاثة السورية وبداخله صناديق خشبية نموذجية ذات واجهة زجاجية تحوي مستحاثات لكل منها هويتها وعلى السقف بانوراما المجموعة الشمسية وعلى الجدران الداخلية رسوم توضح التطور الباليوجغرافي للأرض من 200 مليون سنة وحتى بعد 50 مليون سنة، ويتضمن المتحف دهليزاً مقوساً تم تصميمه احتراماً للثقافة السورية دون اسمنت مسلح فقط بحجارة من الجبال الساحلية السورية، أما الركن الثاني فهو ركن الفلزات والثالث ركن الجيولوجيا الفطرية.