|
مع نوطات موسيقية بخط شوبان وموتزارت وبيان الحركة السيريالية بقلم بروتون
 |
| مع عودة الروح إلى سوق الوثائق النادرة هناك رسالة من صفحتين كتبها على الآلة الكاتبة العالم الشهير ألبرت أينشتاين ووجهها إلى الرئيس الأميركي روزفلت. (أ.ف.ب) | |
|
|
مع انتشار الكتب الإلكترونية والاستغناء المتصاعد للأجيال الجديدة عن الحبر والقلم، لصالح النقر على لوحات المفاتيح في الحاسوب، يبدو أن حنين البشر لأدوات «الماضي» لن يتوقف، وقد راحت تتزايد قيمة الكلمة المكتوبة بخط اليد على الورق، خصوصا إذا كان الكاتب من مشاهير الأدباء القدامى. وتلقى سوق الرسائل والوثائق والمخطوطات رواجا يثير دهشة الهواة وأصحاب المجموعات ومنظمي المزادات في العواصم العالمية الكبرى. هذا ما يكشف عنه الاحتفاء الإعلامي الكبير بالمعرض المخصص للكاتب الفرنسي مرسيل بروست (1871 - 1922) الذي فتح أبوابه هذا الأسبوع، في متحف الرسائل والمخطوطات في باريس.
يأتي هذا المعرض ليدشن البهاء الجديد للمتحف الأثري الواقع في حي السان جيرمان الذي كان مغلقا للترميم، خلال الأشهر الماضية. وهو يقدم للزوار، طوال هذا الصيف، مجموعة تتألف من 160 رسالة ووثيقة وصورة وإهداء، تلقي الضوء على جوانب خفية من الحياة الاجتماعية لصاحب «في البحث عن الزمن المفقود». وبينها أوراق كثيرة لم تنشر من قبل، منها رسائل كتبها بروست إلى والدته جان التي يعود إليها الفضل في تقريب الأدب إلى قلبه وحثه على المطالعة.
هذا المتحف هو واجهة لشركة «أريستوفيل» المتخصصة في تجارة الرسائل القديمة والمخطوطات. وهو ما زال يعمل بشكل مستقل ولا ينضوي تحت راية المتاحف العائدة للدولة. وينتهز القائمون على الشركة الفرصة لعرض ما في حوزتهم من آلاف الرسائل والتوقيعات والتخطيطات والطبعات الأصلية وشبه المفقودة للكتب القديمة. ويجري العرض على مراحل ولفترات محددة لأن الورق القديم لا يتحمل كثيرا مواجهة الضوء الذي يجعل الكتابة تضمحل. ومن النوادر التي يمتلكها المتحف مراسلات للرسامين مانيه، وأنغر، ومونيه، وغوغان، وتولوز - لوتريك. وهناك نوطات موسيقية بخط موتزارت، وشوبان، ودوبوسي، وفاغنر، وأيضا رسائل موقعة بخط كل من فولتير وموليير وبودلير، فضلا عن بيان الحركة السيريالية الذي كتبه أندريه بروتون. هل يعود، بعد كل هذا، مبرر للتساؤل عن سبب الازدحام الكبير للزوار على بوابة المتحف؟
حققت شركة «أريستوفيل» ما يمكن أن يعتبر «ضربة معلم» عندما وضعت اليد، مؤخرا، على النسخة الأصلية من البيان الذي خطه الملك لويس السادس عشر عشية هروبه من الثوار، مع زوجته ماري أنطوانيت وولديهما، إلى مدينة فارين الواقعة إلى الشمال الشرقي من فرنسا، عام 1791. فهذه الوثيقة التي كانت في حوزة جامع مخطوطات أميركي، تعتبر الوصية السياسية للملك الذي أطاحت الثورة الفرنسية بعرشه. وكان البيان قد اختفى بعد أن جرى تهريبه إلى خارج فرنسا، بتواطؤ أحد كبار الكتبيين.
من المعروضات التي يتلهف الجمهور للاطلاع عليها، أيضا، الرسالة التي وقعها الرئيس الأميركي أيزنهاور في السابع من مايو (أيار) 1945 ووجهها إلى رؤساء أركان جيوش الحلفاء، وفيها يعلن استسلام القيادة الألمانية وانتهاء الحرب العالمية الثانية. أما عشاق العلوم فسيجدون أمام أنظارهم معادلات وعمليات حسابية حول النظرية النسبية بخط ألبرت أينشتاين. وكل هذه النوادر هي من ثمرات الجولات التي يقوم بها موفدو المتحف إلى أرجاء العالم بحثا عن وثائق كتبها رجال ونساء صنعوا التاريخ. هم يطاردون، حاليا وعلى سبيل المثال، رسائل بتوقيع جان دارك، الثائرة التي قادت أنصارها الفرنسيين ضد الجيش الإنجليزي، في القرن الخامس عشر، وتمكنت من فك الحصار حول مدينة أورليان وقلبت موازين حرب المائة عام بين البلدين. ويقول أحد المشرفين على المتحف إن المكتبة الوطنية ودوائر الأرشيف الرسمية تتوافر على الإمكانات التي تسمح باقتناء هذا النوع من الوثائق وسحبها من التداول العام، ومع هذا يبقى للهواة والتجار المتخصصين الكثير مما يمكن أن يقع في أيديهم بالمصادفة أو بفضل دأبهم في البحث والترصد، لأن الكتابة عرفت منذ عقود طويلة وتركت آثارا أكثر من أن تحصى.
وينجذب هواة كثيرون إلى جمع الوثائق القديمة نظرا للسحر الذي يحيط بها والروايات التي تنطلق فكرتها منها والأساطير التي تروى عن رسائل مهملة عادت بالثروات على أصحابها. وقبل سنوات، بيع مخطوط كتاب للروائي الفرنسي ألبير كامو، الحائز على «نوبل»، بمبلغ زاد على 263 ألف يورو. وفي عام 2004 دفعت المكتبة الوطنية الفرنسية أكثر من 406 آلاف يورو مقابل مخطوط مجموعة شعرية بعنوان «حكمة» كتبها بول فيرلين وضمت 43 قصيدة. وقبل ذلك بثلاث سنوات اقتنت المكتبة مخطوط «رحلة في أقاصي الليل» للفرنسي «الملعون» لوي فردينان سيلين بمبلغ قياسي هو 1.82 مليون يورو. وإذا انتقلنا إلى لندن ونيويورك فإن أرقام المزادات على الوثائق القديمة تقفز إلى حدود أعلى. ففي عام 2001 بيعت النسخة الأصلية المطبوعة على الآلة الكاتبة لرواية «على الطريق» لجاك كيرواك في مزاد نظمته شركة «كريستيز» في نيويورك بمبلغ 2.9 مليون يورو. وهي قطعة أسطورية تستحق قيمتها لأن كاتبها استخدم في طباعتها لفافة طويلة من الورق، تعادل مئات الصفحات، فقد كان يكتب بشكل محموم ويخشى أن تنقطع سلسلة أفكاره إذا هو توقف لوضع ورقة جديدة على الآلة الكاتبة.
وعلى الرغم من اتساع مجال سوق المخطوطات، فإن ما يجذب الزبائن، اليوم، هي النصوص الشهيرة والأسماء الأدبية الكبيرة. وبعض هؤلاء، أمثال يوجين يونيسكو وجان جينيه وشارل بودلير، يبقون فوق قدرة الهواة على الشراء نظرا لارتفاع أسعار مخطوطاتهم ورسائلهم وتوقيعاتهم. ففي العام الماضي بيع فصل من كتاب «أرض الرجال» لسانت إكزوبيري بمبلغ 300 ألف يورو، أي قرابة النصف مليون دولار.
وكدليل على عودة الروح إلى سوق الوثائق النادرة، تمكن الإشارة إلى رسالة من صفحتين كتبها على الآلة الكاتبة العالم الشهير ألبرت أينشتاين ووجهها إلى الرئيس الأميركي روزفلت. فهي قد عرضت للبيع في مزاد نظمته «كريستيز» عام 1986 ولم تحقق أكثر من 200 ألف دولار. وعندما عرضت الرسالة نفسها عام 2002 في مزاد نظمته ذات الشركة، بيعت بمبلغ 2.1 مليون دولار. ويبدو واضحا أن الأزمة الاقتصادية العالمية لم تترك أثرا كبيرا على سوق المخطوطات والوثائق التي تتميز بإصرار زبائنها وبهوسهم بهذه الهواية، فضلا عن أنهم مثل الورق العتيق، لا يحبون التعرض للأضواء الباهرة. وهي هواية لا تمنح مفاتيحها لأي كائن بل تحتاج إلى عين دقيقة وثقافة أدبية وجيب مليء بالنقود. ويشعر مالك المخطوط بكثير من السعادة عندما يقتني أثرا لكاتب يحبه. إن المخطوط الذي بين يديه يقربه من كاتبه المفضل، مثل عاشق لا يمل من تلمس وقراءة رسالة لمعشوقته. كما أن المخطوط غير الكتاب المطبوع الموجود على رف المكتبة، فهو أكثر خصوصية وحميمية وينطوي على بصمات كاتبه وقد عبرت فوقه أنفاسه. |