لكل مدينة مآثر تحتفظ بها؛ تبرز مكانتها التاريخية وتؤكد على جذورها الضاربة في عمق الزمن. والمدينة المنورة لا مجال للشك في مكانتها العليّة ومنزلتها السَنيِّة، كيف لها وهي تحوي سيرة خير من وطأ الثرى وأظلته الثريّا عليه الصلاة والسلام. وكم كان يتمنى المرء أن يرى هذه السيرة ماثلة للعيان، يراها للتأسي وللعبرة والعظة، إلا أن ذلك – مع بالغ الأسف – ليس واقعا. والمتأمل لهذه الآثار يجدها وقد تم طمسها بسبب أو بدون سبب، ومن أناس لا يدركون - في تصوري - أهمية هذه الآثار، واستمر مسلسل الطمس إلى أن صدرت التوجيهات السامية بالمنع. وقد شهدت المدينة في الأيام القليلة الماضية جهودا تمثلت في تشكيل لجنة من هيئة كبار العلماء لتحديد حرم المدينة وقد أحسنت اللجنة صنعا في إيكال الأمر إلى مركز المدينة للبحوث والدراسات، ما أعاد إلى المتابع بصيص أمل إلى تحديد صحيح لا مراء فيه. وفي ذات الوقت عقدت جمعية التوعية والتأهيل الاجتماعي منتداها الشهري بعنوان (المدينة في عبق التاريخ) ألقاها الدكتور تنيضب بن عواده الفايدي مدير عام التربية والتعليم والباحث في تاريخ المدينة المنورة. والمتأمل يجد أن الآثار بصفة عامة تدور حولها رؤى مختلفة، مابين القدسية والاحترام؛ فبعض علمائنا تملكتهم الخشية من أن تصبح مقدسة فأمروا بإزالتها حماية لجانب العقيدة، والآخرون يرون أن لها احتراما كبيرا كون بعض هذه الآثار لسيد الخلق ولكن يبدو أن هذا الفريق لم تكن لديه سلطة فبات يعيش في حسرة تفوق الوصف جراء إزالة أي اثر. والواقع أن الاحترام له وجهه والقدسية يمكن توعية الناس بكيفيتها، ويبقى طمس الآثار خطأ تاريخي لن تغفله الأجيال القادمة ولن يصفح التاريخ عمن قام بهذا العمل الذي يعد – في تصوري – جناية على التاريخ وحرمنا للأمة من بعض مآثر نبيها؛ فبعض المساجد أزيلت بسبب فكر القدسية، وبعض المآثر أزيلت حتى لا يتعلق الناس بها، في إغفال تام لجانب التوعية والبيان، خصوصا ونحن نعيش عصر العلم وانتشار المعرفة. من المضحك المبكي أن جالست في احد الأيام قوما فقال احدهم متذمرا انه رأى البعض يسجدون على جبل أُحد، فقلت له يا شيخ هل يستوجب هذا إزالة الجبل؟ فلم يحر جوابا! إن مثل هذه النظرات التي لم تدرك قيمة الآثار النبوية، والفكر الاقصائي الذي لا يرى أي وجه صواب عند الطرف الآخر أدى إلى عواقب وخيمة ونتائج سيئة على الآثار بعامة وعلى مآثر النبي الكريم عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم. ومن المؤسف أن تكون الهيئة العامة للآثار والسياحة بهذا النتاج الغير مرضي لا في جانب السياحة ولا في الآثار، وكل ما هنالك لافتات وضعت وعلى معالم لا تحتاج إلى لافتات أصلا!. لقد اقترح بعض الإخوة وضع لافتات تبين معالم تلك الآثار النبوية بحيث تشير إلى مكانها، وأرجو أن ترتقي الفكرة إلى الوصول لشركات عالمية متخصصة بإمكانها إعادة أي اثر وبطرق احترافية، حتى نرى معالم سيرته الشريفة ماثلة لكل مسلم، وقد عادت بعد طمسها ورجعت بعد زوالها، فهل يتحقق الأمل؟